من أجلِ أن نتجنبَ التخلفَ والتراجع فالاندثار

عندما تُعلنُ دائرةُ الارصادِ الجويةِ عن كمية المطر التراكمي التي هطلت مُقاسةً بالمليمتر، علينا أن ننتبه الى أن ما تراكم كان مُجردَ قطراتٍ من الماء نزلن مُتفرقاتٍ يكافحن الرياح، ومع ذلك وصلت القطراتُ الى هدفها وهو سطحُ الارضِِ، فتروي جذور الشجر وتتدفق الى احضان السدود ومخادع الينابيع.

ينطبقُ المفهومُ نفسهُ على المعرفة الانسانية. فالمعرفةُ لا تتكونُ من انجازٍ فردي وحيدٍ مهما بلغت أهميتهُ، ولا من انجازات متقطعة. ولكن من تواصل واتصال وتفاعل وتقييم الانجازات الفردية وتلاقحها وتكاملها وتراكمها.

بُرجُ المعرفةِ الانسانيةِ مُتاحٌ له أن يتجاوزَ في ارتفاعهِ واتساعهِ اقطار السماوات والارض “يا معشر الجن والانسِ إن استطعتم ان تنفذوا من اقطار السماوات والارض فأنفذوا”. أما السلطان الذي سيُمَكنُ هذا البرج من النفاذ فهو العقلُ والاخذُ بالاسباب. ففي قصة ذي القرنين بَيَّنَ القرآنُ سِرَّ نجاح ذلك القائد في إنجاز ما انجز بـ: “إنا مكنا له في الارض واتيناه من كل شئ سببا، فاتبع سببا”. ولنا أن نفترض أنَّ ذو القرنين لم يكن سفيهاً ولا بطيئاً ولا متهوراً بل صاحب عقل فعال تلمس الاسباب فأدركها وأخذ بها.

تتكونُ الثروة من تراكم الفلوس والسينتات. السفهاءُ والمبذرون لا يستطيعون تكوين ثروةٍ من تلقاء انفسهم، كما لا يستطيعون إدارة والحفاظ على الثروة التي يرثونها أو يُعطَونَها. حُسنُ الادارة بمفهومها الواسع وما تشتمله من وضع الاستراتيجيات وإنفاذها هو “السلطان” المطلوب لتراكم الثروة من الفلوس والسنتات. حتى البقال يلزمهُ وضعُ استراتيجية كي تَتَحول بقالتهُ الى سوبر ماركت بدل أن يَخسَرَ فَيُغلقَها.

تراكمُ النجاحاتِ والانجازاتِ في القطاع الحكومي والقطاع الخاص هو ما يصنعُ التنميةَ المستدامةَ على مستوى الدولةِ ككل. المقصودُ هنا بالتنميةِ هو التنميةُ الاقتصاديةُ والاجتماعية والثقافية والقانونية والدينية والاخلاقية والسلوكية والانسانية. أما الانجازات المتفرقةُ المتباعدةُ فسرعانَ ما تَغمُرها فيضانات الفشلِ والتراجع وازدياد الحاجات فالمطالب.

مِنَ الضروري ان تظلَّ الحكومةُ الرشيدةُ هيَ منْ يجلسُ خلفَ مقودِ العربةِ، وهيَ من يضغطُ على البنزين أو على البريك وليسَ القطاعَ الخاص. أما إذا كانت الحكومةُ سفيهةً، فحينها ينطبقُ عليها حُكمُ القرآن “ولا تؤتوا السفهاء اموالكم”. طبعاُ ولا إدارة شؤونكم وأموركم “لأن حال الحكومة حينئذٍ يَكونُ كحالِ الكَلِّ على مولاه أينما يوجههُ لا يأتِ بخيرٍ حسبَ الوصفِ القرآني. “وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍۢ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَىٰهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ۖ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ ۙ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ”. ومولى الحكومةِ هو الشعبُ مصدرَ السلطات ومُنشأها.

وفي المقابل، فإنَّ تراكمَ الفشلِ والفسادِ وسوء الادارةِ والتخبطِ والاحباطِ والتهميشِ والتشتيتِ وهجرةِ العقولِ والقلوبِ والضمائرِ والاستثماراتِ والمُستثمرين والنهبِ الجائرِ يَنتُجُ عنهُ إنقلابُ هرمِ الوطن. وكلما كَبُرَ الهرمُ المقلوبُ وزادَ وزنهُ، ازداد انغماراً وانطماراً تحت سطح الارض اكثر فأكثر حتى يأوي الى قبره المحتوم. وبذلكَ يتحققُ الوعدُ الالهيُ “واذا أردنا أن نهلكَ قريةً أَمّرنا مُترَفيها ففسقوا فيها فحقَّ عليها القول فدمرناها”. وكلمةُ مترفيها لا تقتصرُ على الاغنياءِ بل تتسعُ لتشملَ المسيطرينَ واعوانهم والمنافقين لهم والمُلَمعين.

د. عادل يعقوب الشمايله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.